الصف التاسعلغة عربية

من وحي الخريف في صلالة(9)

من وحي الخريف في صلالة
من وحي الخريف في صلالة-كتاب لغتي الجميلة للصف التاسع الفصل الدراسي الثاني

قراءة صامتة:

كنا نصعد فوق طريق جبلي وعر، وخيل لي أن الأمر لا يستحق كل هذا العناء، وكنت أعرف أيضًا كيف تكون الأشجار في الخريف ذابلة واهنة، تبدو فروعها من الخارج مثل
حروف الموت الغامضة، ولكن لأشجار صلالة سرها الخاص، كانت الألوان تتداخل في فوضى أشبه “بالبالتة” التي يضع عليها الفنان ألوانه.
الأغصان المنخفضة منها تشع باللون الأخضر، وتوهج الأغصان التي في الوسط بالألوان الصفراء المتداخلة مع البرتقالي، وتحترق الأغصان العليا بالأوراق البنية الداكنة. . وخلف كل هذا تبدو البراعم الصغيرة التي فات أوان تفتحها، أو لم تستطع لمسات الخريف الاقتراب منها.
اقتربت من الشجرة أكثر أود لو أغوص فيها ، تأملت الأغصان العارية في قمة الشجرة وهي مرفوعة كأنها مخالب، والأوراق التي تساقطت منها راقدة حول الجذع مثل سجادة
خشنة، كانت الشجرة قد جمعت في غصونها كل فصول السنة الأربعة، الربيع والصيف في تلك البراعم والأوراق الزاهية الخضرة، والخريف والشتاء في الأوراق الصفراء
والغصون العارية، كيف يمكن أن تفوت علي مراقبة الشجرة كل هذه السنوات، وكيف لم أفطن إلى أنها تختصر كل عناصر الوقت وملامح الكون؟
هذا من سحر الخريف في صلالة. بعد شهور ثلاثة من زخات المطر الهادئة، والضباب النائم على الجبال، تفتح الأرض أرحامها كي تخرج هذه الألوان، وتكتسي الجبال والتلال بثوب أخضر زاه يبدو غريبا وشاذا وسط جبال الجزيرة العربية القاحلة، ولا تكتفي جبال صلالة بذلك، ولكنها تفتح للإنسان عيونها السرية، وتخرج الماء من حنایا صخورها، وتنساب في “أفلاج” متواصلة ؛ کي توفر الري له ولزراعاته وحيواناته وسط الوادي أصابني إحساس آخر بالدهشة. في المرة الأولى استولى علي مشهدالشجرة، وهذه المرة استولت علي حواس أصوات الطيور، كان هناك صمت مطبق لدرجة الجلال، فيه شيء من رهبة الصخور وتباعد السحب، والطيور وحدها تعزف أنشودتها الحرة، خلاصا للروح وانعتاقا من الجسد الضيق، كانت الجمال موجودة في كل مكان، وكذا الأشجار وينابيع المياه، ولكن لم يكن هناك مثل هذا الصمت الممنوح لشدو الطيور، والأصوات الصافية تأخذ بمجامع القلب، وتزرع فيه بهجة حزينة.

. . . لا أدري لماذا تذكرني شجرة اللبان بالكثير من صفات الإنسان العماني؛إنها تقف وسط عراء الصحراء تنمو وتتفرع، تضرب جذورها في الصخر،وتستقي من ماء المطر، وتقاوم عوامل القيظ، شجرة صبور كما يبدو من شكلها،غصونها جافة، وأوراقها قليلة وصغيرة، منذ أقدم العصور، وقد اكتشف العماني تفرد هذه الشجرة؛ فهي لا توجد في مكان آخر، ولکی تجمع اللبان هناك سكين خاص لذلك يزيح بواسطته جزءا من لحاء الشجرة، كي يعري جزءا من الفرع ، وتبدأ المنطقة العارية في إفراز سائلا للبان الذي يشبه اللبن ، ويتركها لمدة أسبوع تواصل هذه الإفرازات ؛تتكون كرية صغيرة من اللبان ، ويأخذ في جمعها. .

كانت هذه الشجرة مصدرا مهما للتجارة في العصور القديمة مثل طريق الحرير وطريق البهار، کان هناك طريق للبان يبدأ من عمان ، ثم يعبراليمن إلى مصر والقدس ثم إلى أوروبا. وقد عرف المصريون القدماء اللبان، واستخدموه في التحنيط وعلاج بعض الأمراض، وتضوعت كنائس روما وأوربا بالرائحة الذكية للبان المحترق، وما زالت هذه الشجرة قائمة تحمل ذكريات هذا الماضي البعيد. .

الإنسان العماني في صلادته ومقاومته يشبه تماما هذه الشجرة ،العطاء أقرب إلى طبيعته من الأخذ ، والكرم جزء مهم من التقاليد والخصال التي يحرص عليها. . سمات وأعراق وثقافات حضارية.. عوامل كثيرة أسهمت في صنع الجذور الرئيسية لأهل عمان. . إنهم الأنظف والأكمل والأفضل ثيابا والأكثر لباقة بين سكان الجزيرة . هكذا وصفهم الرحالة الإنجليزي (جيمس سيلك بكنجهام) في أواخر القرن التاسع عشر ، وقد أكد بالحفاوة التي تم استقباله بها.وتدل الآثار القديمة التي اكتشفت حديثا في عمان أن هذه المنطقة كانت مهدا لحضارة بحرية عظيمة ما لبثت أن انهارت، وحدثت هجرات بشرية متواصلة إلى الشمال. . إلى شواطيء بحرآخر ، حاملين معهم نقوشهم، وطرق معيشتهم، ومهارتهم كبحارة.يؤكد (هيرودوت) المؤرخ اليوناني المعروف أن الفينيقيين الذين سكنوا أرض لبنان، وبنوا سفنهم من شجر الأرز، وأبحروا حتى أطراف المعمورة، ترجع أصولهم إلى عمان؛ فهو يقول:هؤلاء البحارة المهرة الذين جاءوا إلى فينيقيا من بحر إيرترين وهو اسم يطلق على قبر ملك قديم كان موجودا على إحدى الجزر في بحر هرمز، وتؤكد بعض الشواهد هذا القول، فهم يحملون نفس الصفات، ونفس درجة الشغف بركوب البحر، وهناك تشابه واضح في بعض المدن، وعلى سبيل المثال فإن مدينة صور العمانية ما زالت تصنع فيها السفن التقليدية حتى اليوم، وكذا مدينة صور اللبنانية، كانت مهدا لبزوغ أهل فينيقيا، ومنها بدأوا كل رحلاتهم.

من وحي الخريف في صلالة

من كتاب لغتي الجميلة للصف التاسع

مواقع اخرى

Oman22.com

صلالة

صلالة

صلالة

صلالة

© موقع كنز العلوم.  جميع الحقوق محفوظة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى